ترتبط الخصوصية ارتباطًا وثيقًا بالمصدر المفتوح، وللمصدر المفتوح أهمية خاصة ضمن سياق الخصوصية والتي بدت واضحة في هذا العالم سريع الحركة والتطوّر في مواجهته لجائحة «كورونا»؛ حيث تريد العديد من الحكومات استخدام تطبيقات الهواتف الذكية للمساعدة في تتبّع الأشخاص الذين كانوا على تواصل قريب من المصابين بالفيروس —وهذه نية جديرة بالثناء— ولكن وفي الوقت ذاته، فإنّ من حقّ المنظّمات المعنية بالخصوصية أن تبدي تخوّفها من هذا التوجه الجديد الذي من الممكن أن يصبح أداة جديدة بيد السلطة للتحكّم في المدنيين، لذلك يجب التركيز على بناء ضمانات لحماية الخصوصية في تطبيقات تتبّع المخالطين منذ البداية، إذ تعتبر عملية نشر الكود المصدري لهذه التطبيقات كمصدر مفتوح واحدة من تلك المتطلبات الأساسية؛ فالتطبيقات مغلقة المصدر لا يمكن الوثوق بها، بل لا بد من أن يُنظر إليها بعين الشك والريبة ويجب تفاديها. 

لا يقتصر إدراك الناس لفوائد المصدر المفتوح على برمجيات التعقّب فحسب، فإن السرعة تعد أمرًا جوهريًا في مواجهة فيروس جديد تمامًا يصيب الملايين، وعليه، بدأ الباحثون حول العالم بتغيير طريقة عملهم بشكل جذري إذ أصبحوا يتبنون مبادرة «العلم المفتوح» التي تعزّز سرعة نشر النتائج العلمية بشكل حرّ وعامّ، وذلك على النقيض من الطرق التقليدية في نشر المعلومات. ففي وقت سابق لشهر شباط لهذا العام، دعت حوالي مِائة منظمة تعمل في مجالات متعلقة بفيروس «كورونا» كلاً من الباحثين والصحافة والجهات المموّلة إلى ضرورة مشاركة نتائج الأبحاث والبيانات المتعلقة بانتشار هذه الجائحة بشكل علني وسريع لتُمكّن القطاع الصحي من الاستجابة للجائحة والمساعدة على حفظ الأرواح. الأمر الذي قد بدأ فعلاً، كما نُشر على الموقع الالكتروني لـ«مركز أبحاث السرطان فريد هتشنسون»: ”يقوم العلماء في جميع أنحاء العالم بنشر تقارير سريرية موجزة وتسلسلات جينية لفيروس «كورونا» الجديد، متجاوزين بذلك إجراءات الاقتباس ومراجعة الأقران التي ما زالت تهيمن على توزيع معظم المعلومات العلمية“.

في الجانب العملي، هذا يعني أن جينومات الفيروس —الشيفرة الجينية التي تم جمعها حول العالم— يمكن أن تُنشر بعد أيام قليلة من جمعها، بدلاً من اكتنازها للاستخدام من قبل الباحثين الذين جمعوها، وتُنشر التسلسلات على منصة GISAID مفتوحة المصدر والتي أصبحت مرجعًا مهمًّا لبيانات فيروس كورونا:

”قبل ولادة مبادرة GISAID، تردّد العديد من العلماء في مشاركة بيانات الأنفلونزا من خلال أرشيف بيانات الملكية العامة التقليدي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قلقهم المشروع من أن يسبقهم أحد بالنشر، وذلك بأن يكون هناك عالم أقدر على نشر مقالات علمية بشكل أسرع مما يستطيع القيام به جامع البيانات نفسه. في بعض الحالات، قد لا تُعترف بمساهمتهم العلمية أو لا يُعترف بها بالشكل الصحيح“. 

يعود الفضل لمواقع مثل Nextstrain والذي بدوره يسمح بتتبّع تطوّر الفيروس بوقته الفعلي، وهو: ”مشروع مفتوح المصدر يهدف الى تكريس الجهود العلمية والصحية العامة للتركيز على بيانات الجينوم المسبّب للمرض“. 

بالإضافة إلى البيانات الجينية الأساسية، يشارك العلماء تجاربهم ونتائج تحليلاتهم على شكل أوراق حول «كوفيد-١٩». ونظرًا لبطء أساليب النشر الأكاديمي التقليدية والتي تستغرق عادةً أسابيع أو حتى أشهر من تاريخ التقدم للنشر، يتجه العلماء إلى شكل آخر من النشر المفتوح —منشورات ما قبل الطباعة. فبدلًا من الخضوع لمراجعة الأقران قبل السماح بالنشر كما هو الحال في النشر التقليدي، تخضع منشورات ما قبل الطباعة لنوع من مراجعة الأقران عن طريق التعهيد الاجتماعي Crowdsourcing بعد تأليفها، وبحكم طبيعتها فهي تُعدّ عملاً تحت الإنجاز وليست نتائج نهائية. بالرغم من استخدام هذه التقنية لعقود من الزمن، إلا أن جائحة «كورونا» اكسبتها دفعة إضافية حتى تُعتمد على نطاق أوسع، ذلك أنها تسمح بمشاركة كل النتائج والتجارب عالميًا وبسرعة. الجدير بالذكر أن هناك موقعين اثنين يعتبران من أهم المواقع التي تستخدم تقنية منشورات ما قبل الطباعة حول «كوفيد-١٩» وهما medRxiv وbioRxiv. وحتى وقت كتابة هذا التقرير يوجد أكثر من ١٥٠٠ ورقة بحثية منشورة عن فيروس «كورونا» الجديد وهي متاحة مجانًا، جميعها تأثرت من الموقع الأول لخادم arXiv الذي أُنشيء عام ١٩٩١ والذي كان له روابط وثيقة بالبرامج الحرة منذ بدايته. 

وقد دفع هذا التوفر غير المسبوق لأعداد هائلة من الأوراق البحثية المتعلقة بالفيروس الجديد معهد ألِن للذكاء الاصطناعي لإنشاء «مجموعة البيانات البحثية مفتوحة المصدر لفيروس كوفيد-١٩»، والتي تمثّل مصدرًا مجانياً لأكثر من ٥١٠٠٠ مقال علمي بما في ذلك ٤٠٠٠٠ مقال بنص كامل حول عائلة فيروس «كورونا» و«كوفيد-١٩» متاحة للاستخدام من قبل مجتمع البحث العلمي حول العالم. ويبقى الأمل بأن يتمكن الباحثون من تطبيق أحدث تقنيات معالجة اللغات الطبيعية للحصول على معلومات جديدة من شأنها أن تساعد الأشخاص الذين يعملون على الفيروس. ولم يكن هذا الأمر ممكنًا لولا المقالات المتاحة مجانًا لهذا الغرض. 

وقد لبّت منظمات عالمية مثل اليونيسكو نداء الانفتاح هذا، إذ عقدت اجتماعًا يضم ١٢٢ دولة لتعزيز استخدام العلم المفتوح. وكذلك ذهب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس إلى أبعد من ذلك فقد غرّد على منصة تويتر قائلاً:

”أدعوا جميع الدول والشركات ومعاهد الأبحاث لدعم البيانات المفتوحة والعلم المفتوح والتعاون المفتوح حتى يستطيع الناس جمعاء من التمتّع بفوائد العلم والبحث“. 

وفي إشارة أخرى للتوجه نحو الانفتاح، دعا تحالف دَولي مؤلّف من علماء ومحامين ومنظمات إلى إتاحة براءات الاختراع بحوزتها مجانًا لمكافحة «كوفيد-١٩» من خلال التوقيع على تعهد سمّي بـ Open COVID Pledge واستخدام تراخيص جديدة لهذا الغرض. وهو أمر عظيم، إذ تيقّنت العديد من المؤسسات والشركات الرائدة بقوة الانفتاح، وهي ما تعزّز المصادر المفتوحة والبيانات المفتوحة والعلوم المفتوحة. يعلم الجميع أن ذلك سيسرّع من عملية اكتشاف طرق جديدة للتصدي للوباء العالمي وإنقاذ آلاف الأرواح. ولكن يبقى التساؤل في هذه الحالة: لماذا لا يكون الانفتاح هو المعيار المطبّق طوال الوقت، بدلاً من تطبيقه كاستثناء في أوقات الطوارئ فقط؟  


عن المؤلف

غلين مودي
كاتب تقني، اشتهر لتأليفه كتاب Rebel Code: Linux and the Open Source Revolution والذي ذكر فيه بدايات حركة البرمجيات الحرة مستعينًا بمقابلات شخصية مع عدة قراصنة من تلك الفترة. له المئات من المقالات حول الإنترنت والمصدر المفتوح وبراءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية.



تمت إعادة نشر هذا المقال وفقاً لرخصة المشاع الإبداعي - Creative Commons، للإطلاع على المقال الأصلي اضغط هنا.