نُشِرَت خلال السنوات الماضية تقديرات متنوّعة عن نسبة المحتوى العربي على الإنترنت أعيد نشرها واقتباسها والحديث بها مرارًا، وهي تتراوحُ من نسبة مقدارها أقلّ من ١٪ (حسب «مؤشر المحتوى العربي الرقمي»١) إلى ٣٪ (حسب الاتحاد الدولي للاتصالات٢) من المحتوى العالمي رقميًا، وهي نسبةٌ تنشرُ عادةً على أنها رقم قليلٌ يُعبّر عن الوضع المتردي للمحتوى العربي، ويترافقُ إما مع دعوة لتطويره أو دعوة لليأس منه.

وسواء أصحَّت هذه الأرقام أم لا، فلعلَّنا لا نستطيع جميعًا أن نخلُصَ منها إلى نتيجةٍ واضحة، إذ لم تنشر مع أي من هذه الأرقام إحصائيات أخرى يمكن مقارنتها معها، كما أن ناشريها قلَّما يوضّحون على أي أساسٍ بإمكاننا تعريف وتوصيف نسبة المحتوى العربي عن غيره، وهذا «المحتوى» قد يشملُ أبحاثًا أكاديمية وُضِعَت جنبًا إلى جنبٍ مع منشورات في الشبكات الاجتماعية وفيديوهات ترفيهية. ولكن لو نظرنا بعدسة تستهدفُ المحتوى المعرفي على الإنترنت، وعامة في دائرتها بحيث تشمل بشتّى لغات العالم، فأين سوف نجدُ المحتوى العربي بينها، وهل سوف نجدُ عائدًا يُرْجَى من الاستثمار فيه بدون غيره من اللغات الأوسع والأقوى عالميًا؟

 

احتكار المعرفة

يُقَالُ أننا نعيش في عصر ثورة معلوماتية أو «معرفية»، إذ إن المعلومة صارت متوفرة بكثرة وبسهولة على شبكة الإنترنت، فقد يبدو أن لا مانع أمام معظمنا من بلوغها إلا بضعُ ضغطات وروابط إلكترونية. لكن جُلَّ المعلومات الغزيرة التي يعجّ بها الإنترنت —بل وجُلّ المعرفة الإنسانية عبر العصور— تقعُ وراء حاجزٍ كبير يتعذّر اجتيازه، فتبقى حكرًا على من لديهم مفاتيحه: وهو حاجز اللغة.

يُقدَّر عدد اللغات في العالم حاليًا بما بين ٥٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ (إذ يختلفُ عددها بسبب اختلاف تصنيفات بعضها بين «اللغات» و«اللهجات»، وهو تصنيفٌ لا يمكن الاستناد فيه إلى أساسٍ موضوعي واحد). على أن معظمنا لم يسمعوا إلا بنسبةٍ ضئيلة من هذه اللغات الكثيرة، فالمشهورة منها لا تتعدّى عشرين أو ثلاثين لغةً كبرى من الفئة التي ينطق بها مئات ملايين الناس، والتي وُلِدَت —أصلاً— نتيجة انصهار لغات ولهجات محلية كثيرة أو بأنَّها حلَّت مكان غيرها من اللغات إثر السيطرة السياسية والاستعمارية، فاكتسبت عددًا كبيرًا من الناطقين.

على أن الغالبية العظمى من اللغات تنحصرُ في أماكن منعزلةٍ مثل جزيرة نيوغينيا وأمريكا الجنوبية، ويتحدث بها عددٌ قليلٌ من الناس. بل وإن نصفها تقريبًا ليست لها أبجدية ولا أنظمة كتابة في الأساس٣؛ وأما نصفها الآخر (الذي اقتبس معظمه «أبجديته» عن اللاتينية أو لغات كبرى مثلها) فمن النادر أن يُكْتَبَ أو يُنْشَر فيه شيءٌ. وكما هو مُتوقَّع لأيّ لسان لم تكثُر كتابته، فإنَّ معظم لغات العالم ليست فيها ثروة معجمية ولا مصطلحات كافية لتغطية العلوم والإنسانيات الحديثة ناهيك عن سائر مجالات المعرفة، ممَّا يعني أنها تواجه عقبات جوهرية حتى حين اقتباس المعرفة من غيرها.

يُقدِّر علماء اللسانيات أن ما بين ٥٠ إلى٩٠٪ من لغات الأرض قد تنقرضُ قبل نهاية القرن الحالي٤، مما يعني أن جُلَّها عاجزةٌ عن كسر حاجز احتكار المعرفة، بل إنها أساسًا في طور الانحدار والتراجع لا طور النموّ وبناء ثروتها المعرفية والأدبية. لكن ماذا عن اللغات الكبرى في العالم، مثل العربية، فهل تواجه بعضها تحدّيات شبيهة؟

 

”الأثرياءُ يزدادون ثروةً والفقراءُ فقرًا“

يشتهر الشاعر الإنكليزي «بيرسي بيش شيلي» بقوله في عام ١٨٤٠ ما ترجمتهُ أن: ”الأثرياءُ يزدادون ثروةً والفقراءُ فقرًا“. ويشير قوله هذا إلى وجود فجوة هائلة من اللامساواة تفصلُ بين الفقراء والأثرياء، وإلى أن هذه الفجوة تتّسع بوتيرة ثابتة مستمرَّة؛ وهو محقّ في ذلك، إذ تذهبُ بعض الإحصائيات أن ١٪ فقط من سُكّان العالم يحتكرون نصف ثروته٥. على أن ما قاله «بيرسي بيش شيلي» لا يقتصرُ على المال وحده وإنَّما يمتدّ إلى كافة مناحي اللامساواة، ومنها المعرفة: فقلّة قليلةٌ من اللغات تحتكرُ جُلَّ المعرفة الإنسانية، والفجوة بينها وبين سائر اللغات الشحيحة معرفيًا تتّسع بوتيرة ثابتة مضطّردة.

قد نستندُ على مؤشّرات كثيرة ومتنوّعة للتدليل على اللامساواة المعرفية في عالمنا، ومن أمثلة هذه المؤشّرات ما ورد في مقدّمة هذا المقال من إحصائيات عن نسبة المحتوى العربي، على أن بعض هذه الإحصاءات عامّة في نوع «المحتوى» الذي تدرسهُ، بينما بعضها —ومنها «مؤشر المحتوى العربي الرقمي»— تُركّز على مراجع علمية ومعرفية لقياس نسبة المحتوى، ومن المراجع التي تعودُ إليها موسوعة «ويكيبيديا» الحُرّة، وهي —غالبًا— أكبرُ دائرة معارف إنسانية على الإطلاق في زمننا٦.

لعلَّ ويكيبيديا من أوسع مصادر المعرفة على الإنترنت في تغطيتها اللغوية، إذ إن مقالاتها متوفّرة حالياً بـ٣١٤ لغة، على أن هذه أصلاً ليست إلا قلّة من لغات العالم (وتعادلُ ٤٪ منها، حسبما رأيناهُ سابقًا من أرقام). ويستطيع أي شخص لديه اتصال بالإنترنت أن يساعد بإضافة المقالات إلى ويكيبيديا بأي واحدةٍ من هذه اللغات، لكن معظمها لا تحظى إلا بالقليل، فلم يتجاوز عدد مقالات الموسوعة الحُرّة المئة ألف إلا بـ٦٨ لغة، أي أقل من واحدٍ في المئة من لغات الإنسان.

ورغم ذلك، تبقى معظم هذه اللغات في شُحّ معرفي كبير. فمئة ألف مقال هو —في الواقع— رقمٌ متواضع، إذ إنه لا يُغطّي إلا قلة من موضوعات المعرفة الإنسانية فائقة التنوع، ويبدو ذلك جليًا إن قورن بالنسخة الكبرى من ويكيبيديا: وهي الإنكليزية، التي فيها أكثر من ستة ملايين مقالٍ تملؤها عدّة مليارات من الكلمات الموثّقة بملايين المصادر٧. على أن ويكيبيديا الإنكليزية ليست النسخة الأكبر بعدد مقالاتها الحالي فقط، بل هي الأكثر نموًا وعنايةً وتحسينًا، والفجوة بينها وبين سائر اللغات في ازدياد مضطرد.

لا تقتصرُ هذه الفجوة بحالٍ من الأحوال على موسوعة ولا موقع دون غيره، وإنما الإنكليزية هي اللغة السائدة حاليًا في شتى مجالات المعرفة والبحث العلمي والاستعمال العامّ، فهي تتصدَّر —مثلاً— ٨٠٪ من المجلات البحثية كافّة، واستخدامها في غلبة واضحةٍ ومتزايدة على كُلّ لسانٍ غيرها في مختلف المجالات٨. وهذه الأفضلية التي تتصدَّرُها الإنكليزية تُشجّع على استخدامها أكثر وعلى الابتعاد عن سواها، فترتفعُ مرتبتها وتتقلَّصُ حصّة كل من سواها، ولهذا يقولُ بعض الباحثين أن جميع لغات العالم —بما فيها لغات أوروبا— تعيشُ حاليًا: ”صراعًا غير عادلٍ مع اللغة الاستعمارية الكبرى السائدة في زماننا، وهي الإنكليزية“٩. فهل من بصيص أمل للغة كالعربية في هذا الصّراع المرير؟

 

إلى أين يتّجه المحتوى العربي؟

من الصّعب أن نقيس ترتيب اللغة العربية بين غيرها بمقياس موضوعي ومتغيّر عبر الزمن، إذ إننا نناقشُ في هذا السياق عيّنة ضئيلة من محتوى الإنترنت المعرفي الغارق بين كمية هائلة من المحتوى الاجتماعي والدعائي والترفيهي وغيره. فهل يمكننا أن نلقي نظرةً على هذا المحتوى، وأن نتكهّن بما إن كانت العربية —رغم ما تواجهه من تحدّيات— واحدةً من اللغات التي ”تزيدُ فقرًا“ أم ”تزيدُ ثراءً“ بالمعرفة؟

لو رجعنا إلى الإحصاءات التي جاءت في بداية هذا المقال، سوف نجدُ بعضها تزعمُ بأن نسبة المحتوى العربي على الإنترنت قد ارتفعت قليلاً بين سنتي ٢٠١٠ إلى ٢٠١٣ (وصولاً إلى ٤٪)، ثُمَّ تدنت مرة أخرى في سنة ٢٠١٤ (إلى ٢,٧٥٪). وقد نجدُ موثوقية أكبر هنا في تقرير W3Techs، وذلك لأنه لا يقيسُ نسبة المحتوى العربي وحده بل يقارنها مع غيرها من اللغات.

نرى في إحصائيات هذا الموقع تراجعًا في نسبة المحتوى العربي الرقمي بين سنتي ٢٠١١ إلى ٢٠٢٠ (من ١,٦٪ إلى ١,٠٪ عالميًا١٠). ونلاحظُ كذلك أنه يشغلُ المرتبة الثانية عشرة عالميًا، لكننا نلاحظُ —أيضًا— أن الإنكليزية وحدة تحتلّ أكثر من ٦٠٪ من محتوى الإنترنت، وكلّ اللغات الكبرى تأتي بعدها بنسبٍ متقاربة. وفضلاً عن ذلك فإن هذه الأرقام كلّها تبقى محطَّ شك وعمومية في طابع «المحتوى» الذي تقيسه، ومن أمثلة ذلك أن بعض أكبر «المصادر» المحتوى العربي المتضمّنة بالإحصائية هي الفيسبوك وتويتر والوتس أب.

قد يساعدنا أكثر أن نعود إلى مصادر المحتوى المعرفي على الإنترنت. فالنسخة العربية من ويكيبيديا هي أيضًا من أهم مصادر إحصاءات W3Techs، ولعلَّ معظم من تصفّحها لمس ما في مقالاتها من فقرٍ ونقص بالنسخة العربية، لكننا نجدُ من ناحية الترتيب أنها تحتلّ المرتبة السادسة عشرة بين اللغات كافّة، وأن مرتبتها في ازديادٍ مستمرّ؛ بعد أن كانت في المرتبة رقم ٤٩ عام ١١٢٠٠٤. ولا يقتصرُ هذا الترتيب لا على صعيد عدد المقالات فقط، بل كذلك من حيث عُمْق المقالات وعدد المساهمين١٢، وهذه هي المؤشرات المهمة على استمرارية الموسوعة ونموها المستقبلي.

لو نظرنا إلى المحتوى المعرفي على الإنترنت عمومًا، فقد نجدُ إقبالاً ونموًا سريعًا في المحتوى العربي ببعض المجالات. مثلاً، في مؤتمرات TED العالمية —وهي فعاليات مشهورة لنشر الأفكار الخلاّقة تُقَام في أكثر من مئة دولة— تحتلّ اللغة العربية المرتبة الخامسة في عدد المحاضرات المترجمة، التي يقاربُ عددها تسعة آلاف، بعد الإنكليزية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية. توفّر الكثير من المنظمات حاليًا نسخًا عربية غنية بالمحتوى من مواقعها (مثل أصوات عالمية وغرينبيس ومنظمة العفو الدولية)، وتتوفر الكثير من مجلاّت العلوم والمعرفة الأجنبية بإصدارات عربية منتظمة (مثل Nature و«العلوم» و«العلم للعموم» و«إم آي تي تكنولوجي ريفيو»)، كما أن هناك نموًا ضخمًا في مبادرات الترجمة ونشر المحتوى العلمي عبر الإنترنت بدون قيود (مثل «الباحثون السوريون» و«أنا أصدق العلم» و«السعودي العلمي»)، وهي مبادراتٌ تشملُ إنجازاتها ترجمة مناهج جامعية كاملة وإصدار كتبٍ ومجلات.

في هذا كلّه عددٌ كبير من الأمثلة والاستشهادات الفردية، التي قد يصعبُ علينا تعميمها بموضوعية أو الوصول إلى استنتاج مُطْلقٍ بأن المحتوى العربي في حالة نمو وازدهار. على أننا نجدُ فيها بصيص أمل، فلا شك أننا حينما نلقي نظرةً عامة على طيف اللغات حول العالم، نجدُ أن اللغة العربية ليست وحيدةً في صراعها مع العولمة واللغات الأجنبية، بل إنها ليست في مرتبة سيّئة على الإطلاق. وقد تبقى المشكلة الأكبر التي تواجه المحتوى العربي هي نقص جودته وقلّة العناية بالأولويات العلمية والمعرفية فيه، والتي ما زالت تفتقرُ لأي إحصائيات واضحة، إلا أنها —فيما يظهرُ— في حالة ارتفاع قد يزيد أو يكثر، ومع الارتفاع المستمر للوصول إلى الإنترنت في العالم العربي ومستوى التعليم والقدرة على القراءة والكتابة، فإننا ما زلنا نتطلّع إلى مستقبل للمحتوى العربي الرقمي قد تنتظره زيادة وارتقاءٌ أكبر، كما تنتظرهُ بلا شك عقبات وحواجز كثيرة لمواجهتها و—كما قد نأملُ معًا في يوم اللغة العربية— اجتيازها.

 


المراجع

  1. مؤشر المحتوى العربي، موضوع.كوم
  2. الجزيرة.نت
  3. Ethnologue
  4. Wikipedia
  5. The Guardian
  6. في ويكيبيديا أكثر من 55 مليون مقالة بما يتجاوزُ 300 لغة وحجمها عشرات الغيغابايتات (مصدر)، وهذه أرقامٌ هائلةٌ إن قورنت بعدد مقالات الموسوعات ودوائر المعارف التقليدية الكبرى: مثل بريتانيكا أو "الموسوعة البريطانية"، التي يبلغ عدد مقالاتها نحو 120 ألفاً فحسب (مصدر).
  7. Wikipedia
  8. Elsevier - Research Trends
  9. Introducing Translation Studies. Munday, J. (2008): p. 133
  10. W3Techs
  11. ويكيبيديا العربية
  12.  ترتيب ويكيبيديا العربية ليس مرتفعاً من حيث عدد المقالات فقط، بل إن ترتيبها من حيث عدد "المساهمين النشطين" فيها (أي الأشخاص الذين يضيفون تعديلاً واحداً على الأقلّ في الشهر إلى الموسوعة) يأتي في المرتبة الـ11 بين كل نسخ ويكيبيديا، كما أن ترتيبها من حيث "العُمْق" (أي depth، وهو مؤشّر تقريبي تعتمده ويكيبيديا لجودة المحتوى) يأتي في المرتبة الثالثة بعد الإنكليزية والفرنسية (مصدر).