في مشهد يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، تبرز الصين، تلك الدولة المعروفة بسيطرتها الرقمية الصارمة، كمدافع عالمي عن الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. فقد وُصف صعود مطوّر الذكاء الاصطناعي الصيني مفتوح المصدر «ديب سيك» بأنه «لحظة بيرل هاربر»، أي تحدٍّ مفاجئ ومدمّر للنظام القائم [١]. إذ استطاعت هذه الشركة، من خلال تقديم نماذج لغوية كبيرة من الطراز الأول بجزء بسيط من التكلفة، أن تحفّز تحولًا عالميًا في مشهد الذكاء الاصطناعي، متحدّيةً بذلك الهيمنة التقنية الأميركية [٢]. يكشف هذا التحول عن تناقض ظاهري: فقِيَم المصدر المفتوح المتمثلة في الحرية والشفافية واللامركزية تبدو متعارضة مع مبدأ «السيادة السيبرانية» الصيني. تجادل هذه المقالة بأن هذا التناقض ظاهري فحسب، إذ تعيد الصين توظيف المصدر المفتوح بصورة استراتيجية حتى تعزّز مبدأ «السيادة السيبرانية» وممارساتها الاستبدادية الرقمية، وحتى تدفع نحو الاعتماد التكنولوجي على الذات، وحتى تصدّر نموذجها في الحوكمة الرقمية.
إن أجندة «السيادة السيبرانية» سياسة وطنية من أعلى إلى أسفل ظلت مُطبّقة منذ أن اتصلت الصين بالإنترنت في التسعينيات، وقد تجلّى ذلك في إنشاء «جدار الحماية العظيم» [٣]. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، أصدر مجلس الدولة الصيني في وقت مبكر من عام ٢٠١٧ «خطة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل القادم»، مشيرًا بوضوح إلى أنه بحلول عام ٢٠٣٠، ستصبح الصين مركزًا عالميًا رئيسيًا للابتكار في الذكاء الاصطناعي، وأنها ستبني إطارًا «شاملًا ومتعدد المجالات وعالي الكفاءة للتكامل بين المدني والعسكري» [٤]. وحتى تحقق هذا الهدف، يوجد نظام بيئي صناعي للذكاء الاصطناعي تقوده الدولة بالكامل: فمن الرقائق إلى مراكز البيانات، ومن الخوارزميات إلى الخبرات، تقدم الدولة دعمًا منهجيًا للمجموعة التكنولوجية الكاملة للذكاء الاصطناعي من خلال الإعانات المالية وصناديق الصناعة ودعم الحكومات المحلية [٥]. تكشف هذه السياسة الصناعية عن المنطق الكامن وراء تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين: فالابتكار التكنولوجي يجب أن يخدم المصالح الاستراتيجية الوطنية، والمصدر المفتوح هو التجلّي التكتيكي الأحدث لهذا المنطق في المشهد الجيوسياسي الراهن.
يمكن تفكيك ممارسات الصين في السيادة السيبرانية من خلال إطار مكوّن من أربع طبقات: الطبقة المادية، والطبقة المنطقية، وطبقة التطبيقات، والطبقة المجتمعية [٦]. تعطي الطبقة المادية الأولوية لسيطرة على البنية التحتية الحرجة مثل الرقائق والخوادم؛ وتركّز الطبقة المنطقية على استقلالية الكود المصدري والبروتوكولات الأساسية مثل أنظمة التشغيل وأطر العمل البرمجية والمعايير التقنية؛ وتركّز طبقة التطبيقات على إدارة تدفقات البيانات، لا سيما التدفقات عبر الحدود؛ أما الطبقة المجتمعية فتركّز على تنظيم المحتوى عبر الإنترنت ونشاط المنصات وهوية المستخدمين من خلال القوانين واللوائح الإدارية. لقد تدقّق «استراتيجية الصين للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر» على هذه المستويات الأربعة حتى تخدم هدفها النهائي المتمثل في توطيد السيادة التكنولوجية وتحقيق السيطرة الحكومية.
على مستوى الطبقة المادية، تمثّل «استراتيجية الصين للمصدر المفتوح» إجراءً مباشرًا مضادًا للعقوبات الأميركية على الأجهزة. المبدأ التوجيهي هنا هو «استخدام البرمجيات حتى تعوّض الأجهزة» (以软补硬)، إذ يتغلب الابتكار الخوارزمي على القيود المادية والقدرة الحاسوبية المحدودة [٧]. تجسّد «ديب سيك» هذا النهج من خلال استخدام معمارية «MLA» والتصميم الفعّال من حيث الموارد حتى تقدّم أداءً عاليًا على رقائق أقل قوة، إذ تتطلّب فقط ١١/١ من قوة الحوسبة التدريبية التي تستخدمها «لاما» من «ميتا» [٨]. كما تبنّت شركات ذكاء اصطناعي صينية أخرى، مثل عملاق التعرف على الكلام «آيفلايتك»، هذه الاستراتيجية أيضًا، وإن كان ذلك أحيانًا بتكلفة معيّنة، كما يتضح من تأخيرها لمدة ثلاثة أشهر بعد التحوّل من رقائق «إنفيديا» إلى رقائق «هواوي» حتى تواجه عقوبات الولايات المتحدة على أشباه الموصلات والرقائق [٩]. والهدف هنا هو بناء نظام بيئي محلي يعمل على رقائق محلية حتى يحقق الاعتماد التكنولوجي على الذات [١٠].
وعلى مستوى الطبقة المنطقية، تهدف الاستراتيجية إلى كسر اعتماد الصين على مجموعة البرمجيات الأميركية. ما يزال نظام الذكاء الاصطناعي البيئي في الصين يعتمد اعتمادًا كبيرًا على برمجيات طوّرتها الولايات المتحدة، بما في ذلك أطر عمل مثل «بايتورش» (PyTorch) و«تنسرفلو» (TensorFlow)، ومشاريع مثل «أولاما» (Ollama) و«نمباي» (NumPy)، ومنصات استضافة الشيفرة مثل «غيت هَب» و«هاغينغ فيس» [١١]. يعني هذا الاعتماد أن السيطرة على النظام البيئي مفتوح المصدر تبقى خارج أيدي بكين، مما يخلق مخاطر استراتيجية كبيرة، وإذا أُقرّ «قانون فصل قدرات الذكاء الاصطناعي الأميركية عن الصين لعام ٢٠٢٥» المقترح في الكونغرس الأميركي، فسيواجه النظام البيئي للذكاء الاصطناعي في الصين مخاطر جدية [١١]. استجابت بكين بالترويج قويًا لبدائل محلية مثل «بادل بادل» من «بايدو» و«مايند سبيس» من «هواوي»، مستخدمةً نماذج مفتوحة المصدر حتى تحفّز الهجرة الكاملة إلى بدائل محلية [١٠].
أما على مستوى طبقة التطبيقات، فالشاغل الأساسي هو السيطرة على تدفق البيانات واستخدامها، لا سيما البيانات الشخصية والحساسة والعابرة للحدود. يفرض قانون أمن البيانات الصيني (٢٠٢١أ) وقانون حماية المعلومات الشخصية (٢٠٢١ب) امتثالًا صارمًا لمعالجة «البيانات المهمة» و«المعلومات الشخصية»، لا سيما عند نقل البيانات عبر الحدود. كما يطلب الإجراء الإداري لعام ٢٠٢٣، التدابير المؤقتة لإدارة خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أن تأتي بيانات التدريب من «مصادر مشروعة» (المادة ٧) وأن تُحمى مدخلات المستخدمين (المادة ١١) [١٢]. تخلق هذه القواعد واللوائح مخاطر امتثال للشركات التي تستخدم خدمات واجهات برمجة التطبيقات الأجنبية مثل «تشات جي بي تي»، والتي قد تنقل بيانات المستخدمين إلى الخارج. بدلًا من ذلك، تتيح النماذج مفتوحة المصدر النشرَ المحلي، مما يسمح للشركات بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي على خوادم داخلية. وهذا لا يُبقي البيانات داخل الحدود الوطنية فحسب، بل يضمن أيضًا سيطرة أكبر على مصدر البيانات واستخدامها وأمنها، مما يجعلها خيارًا استراتيجيًا للامتثال التنظيمي.
على المستوى المجتمعي، تسعى الصين إلى تحقيق التوازن بين الابتكار والسيطرة الأيديولوجية الصارمة على المحتوى المُولّد. تفرض التدابير المؤقتة المذكورة آنفًا أن يتماشى كل محتوى يُولّده الذكاء الاصطناعي مع «القيم الأساسية الاشتراكية» (المادة ٤)، مطالبةً الشركات بتضمين آليات مراجعة المحتوى وتصفيته في النماذج مفتوحة المصدر [١٢]. في الممارسة العملية، تدمج الشركات التقنية وحدات تعزيز أمني حتى تمنع المخرجات الحساسة سياسيًا أو العنيفة أو الإباحية، ممتثلةً بذلك لمعايير المراجعة الوطنية. ومع ذلك، فإن هذه السيطرة السياسية لا تُترجَم إلى تحسّن في السلامة التقنية. فقد وجدت دراسة حديثة لشركة «سيسكو» أنه بينما اعترض نموذج «GPT-4o» من «أوبن إيه آي» ٨٦٪ من الأوامر الضارة خلال تقييمات الأمان، فشل «ديب سيك» في اعتراض أي منها، مما يشير إلى تركيز على المتانة الأيديولوجية بدلًا من التقنية [١٣].
من منظور عالمي، تمثّل دفعة الصين نحو الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر استراتيجية منافسة غير متماثلة متعمّدة تهدف إلى مواجهة الهيمنة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي [١٤]. إذ تفتقر الصين إلى النماذج الاحتكارية وقواعد المستخدمين الواسعة والوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة التي يتمتع بها قادة التقنية الأميركيون مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، لذا تسعى إلى الحصول على ميزة في جبهة مختلفة من خلال الاستفادة من استراتيجية الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر حتى تخفّض تكاليف التطوير، وتسرِّع التكرار، وتبني سريعًا مجتمع مطوّرين محليًا. يمكّن هذا النهج الصين من تجاوز المنافسة المباشرة على البنية التحتية المكلفة والمنصات الاحتكارية، وبدلًا من ذلك تقوّض المزايا الأميركية من خلال تعزيز انتشار واسع بتكلفة منخفضة. تنقل هذه الاستراتيجية تكاليف التشغيل إلى المورّدين الاحتكاريين، مما يسمح للصين بأن توسّع قدرات الذكاء الاصطناعي بأدنى استثمار ممكن [١٤]. وبذلك، يعمل المصدر المفتوح كإجراء استراتيجي مضاد حتى تآكل الهيمنة الأميركية من خلال استغلال عدم التماثل في الابتكار وتخصيص الموارد.
وحتى تُحقِّق ذلك، صاغت الصين استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر من خلال سردية «دمقرطة الذكاء الاصطناعي» (AI 平民化)، واضعةً نفسها ليس كقوة تكنولوجية مهيمنة بل كشريك للجنوب العالمي [١٥] [٧]. تعكس هذه الاستراتيجية وجهًا معاصرًا من القوة الناعمة، المفهومة على أنها القدرة على التأثير من خلال أن تكون جذابةً بدلًا من الإكراه [١٦]. فمن خلال تقديم نماذج عالية الأداء بتكلفة منخفضة، تصبح الصين أكثر جاذبية، لا سيما بين الدول النامية التي لا تستطيع تحمّل تكاليف واجهات برمجة التطبيقات الغربية المكلفة. وتُنشر هذه السردية حول الشمولية التكنولوجية عبر وسائل الإعلام الحكومية ومبادرات دبلوماسية مثل «مركز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي لمنظمة شنغهاي للتعاون» (الذي يضم الصين وروسيا وأعضاء آخرين في منظمة شنغهاي) [١٧] و«مركز الصين-بريكس لتطوير الذكاء الاصطناعي والتعاون» (مع البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا) [١٨]. تهدف هذه المبادرات إلى بناء تحالفات ووضع التكنولوجيا الصينية كمعيار غير غربي موثوق للتنمية الرقمية.
يمكّن هذا النهج الصين أيضًا من تشكيل معايير الذكاء الاصطناعي العالمية. فعندما تتبنى الحكومات والمطورون في الجنوب العالمي نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر، فإنهم يضمّنون معمارية تقنية تخلق تبعيات مسارية وتوائمهم مع المعايير الصينية [١٠]. لقد سبق لشركات مثل «روانغغورو» الإندونيسية و«ياندكس» الروسية و«يوتا» الهندية أن طوّرت محركات محلية بناءً على النماذج الصينية [١٥]. يشابه هذا النهج التعاوني والقابل للتوسع انتشار نظام «أندرويد» العالمي من خلال المطورين الخارجيين [١٩]. وفي هذه العملية، تنتشر رؤية الصين للحوكمة الرقمية. فبينما لا تصدّر الصين الاستبداد بشكل صريح، فإن هذه النماذج توفر قالبًا تكنولوجيًا مناسبًا للسيطرة الرقمية، نابعًا من نظام بيئي يعطي الأولوية لتوطين البيانات وتصفية المحتوى. هذا ما يجعل المصدر المفتوح، كما يعبّر أحد المستثمرين التقنيين، شكلًا قويًا من "القوة الناعمة التكنولوجية... معادل أفلام هوليوود أو البيغ ماك في عالم التقنية" [٥].
تجسّد استراتيجية الصين للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر مفارقة جوهرية: فهي تتبنى لغة الانفتاح العالمي والدمقرطة بينما تعزّز نظامًا محليًا من السيطرة السياسية الصارمة. هذا يمثّل تطورًا في الاستبداد الرقمي، إذ ينتقل من موقف دفاعي يركّز على السيطرة الداخلية إلى جهد عالمي استباقي حتى يضع المعايير الدولية. ويبقى السؤال الحاسم: هل يمكن لنظام متجذّر في المراقبة المحلية والرقابة أن يكسب الثقة العالمية حقًا ويمسي أساسًا لمعيار دولي جديد من الانفتاح؟

